الأربعاء، سبتمبر 07، 2011

رائعة نزار قباني..بلقيس (مع أوديو بصوت الشاعر)

بلقيس...


بلقيس

شكرا لكم
شكرا لكم
فحبيبتي قتلت وصار بوسعكم
أن تشربوا كأسا على قبر الشهيده
وقصيدتي أغتيلت
وهل من أمة في الأرض ـ إلا نحن ـ تغتال
القصيده ؟

بلقيس...
كانت أجمل الكلمات في تاريخ بابل
بلقيس
كانت أطول النخلات في أرض العراق
كانت إذا تمشي ..
ترافقها طواويس
وتتبعها أيانل
بلقيس يا وجعي
ويا وجع القصيده حين تلمسها الأنامل
يا هل ترى
من بعد شعرك هل سترتفع السنابل ؟
يا نينوى الخضراء
يا غجريتي الشقراء
يا أمواج دجله
تلبس في الربيع بساقها
أحلى الخلاخل
قتلوك يا بلقيس
أية أمة عربية
تلك التي
تغتال أصوات البلابل ؟
أين السموأل ؟
والمهلهل ؟
والغطاريف الأوائل ؟
فقبائل أكلت قبائل
وثعالب قتلت ثعالب
وعناكب قتلت عناكب
قسما بعينيك اللتين إليهما
تأوي ملايين الكواكب
سأقول ،يا قمري ،عن العرب العجائب
فهل البطولة كذبة عربية ؟
أم مثلنا التاريخ كاذب ؟

بلقيس
لا تتغيبي عني
فإن الشمس بعدك
لا تضيء على السواحل
سأقول في التحقيق :
إن القائد الموهوب أصبح كالمقاول
وأقول :
إن حكاية الإشعاع ، أسخف نكتة قيلت
فنحن قبيلة بين القبائل
هذا هو التاريخ يا بلقيس
كيف يفرق الإنسان
ما بين الحدائق والمزابل
بلقيس
أيتها الشهيدة والقصيده
والمعطرة النقيه
سبأ تفتش عن ملكتها
فردي للجماهير التحيه
يا أعظم الملكات
يا امرأة تجسد كل أمجاد العصور السومريه
بلقيس يا عصفورتي الأحلى
ويا أيقونتي الأغلى
ويا دمعا تناثر فوق خد المجدليه
أترى ظلمتك إذ نقلتك
ذات يوم من ضفاف الأعظميه
بيروت تقتل كل يوم واحدا منا
وتبحث كل يوم عن ضحيه
والموت في فنجان قهوتنا
وفي مفتاح شقتنا
وفي أزهار شرفتنا
وفي أوراق الجرائد
والحروف الأبجديه...
ها نحن يا بلقيس
ندخل مرة أخرى لعصر الجاهليه
ها نحن ندخل في التوحش
والتخلف والبشاعه والوضاعه
ندخل مرة أخرى عصور البربريه
حيث الكتابة رحلة
بين الشظية والشظيه
حيث اغتيال فراشة في حقلها
صار القضيه
هل تعرفون حبيبتي بلقيس؟
فهي أهم ما كتبوه في كتب الغرام
كانت مزيجا رائعا
بين القطيفة والرخام
كان البنفسج في أعينها
ينام ولا ينام
بلقيس
يا عطرا بذاكرتي
ويا قبرا يسافر في الغمام
قتلوك ، في بيروت ، مثل أي غزالة
من بعد ما قتلوا الكلام
بلقيس
ليست هذه مرثية
لكن
على العرب السلام
بلقيس
مشتاقون مشتاقون مشتاقون
والبيت الصغير
يسأل عن أميرته المعطرة الذيول
نصغي إلى الأخبار والأخبار غامضة
ولا تروي الفضول
بلقيس
مذبوحون حتى العظم
والأولاد لا يدرون ما يجري
ولا أدري أنا ماذا أقول ؟
هل تقرعين الباب بعد دقائق ؟
هل تخلعين المعطف الشتوي ؟
هل تأتين باسمة
وناضرة
ومشرقة كأزهار الحقول ؟

بلقيس
إن زروعك الخضراء
مازالت على الحيطان باكية
ووجهك لم يزل متنقلا
بين المرايا والستائر
حتى لفافتك التي أشعلتها
لم تنطفئ
ودخانها
مازال يرفض أن يسافر

بلقيس
مطعونون مطعونون في الأعماق
والأحداق يسكنها الذهول
بلقيس
كيف أخذت أيامي وأحلامي
وألغيت الحدائق والفصول

يازوجتي
وحبيبتي وقصيدتي وضياء عيني
قد كنت عصفوري الجميل
فكيف هربت يا بلقيس مني ؟

بلقيس
هذا موعد الشاي العراقي المعطر
والمعتق كالسلافه
فمن الذي سيوزع الأقداح أيتها الزرافه ؟

بلقيس
أن الحزن يثقلني
وبيروت التي قتلت لا تدري جريمتها
وبيروت التي عشقت
تجهل أنها قتلت عشيقتها
وأطفأت القمر
بلقيس
يا بلقيس
كل غمامة تبكي عليك
فمن ترى يبكي علي
بلقيس كيف رحلت صامتة
ولم تضعي يدك في يدي ؟

بلقيس
كيف تركتنا في الريح
نرجف مثل أوراق الشجر ؟
وتركتنا ـ نحن الثلاثة ـ ضائعين
كريشة تحت المطر
أتراك ما فكرت بي ؟
وأنا الذي يحتاج حبك مثل زينب أو عمر

بلقيس
يا كنزا خرافيا
ويا رمحا عراقيا
وغابة خيزران
يا من تحديت النجوم ترفعا
من أين جئت بكل هذا العنفوان ؟

بلقيس
تذبحني التفاصيل الصغيره في علاقتنا
وتجلدني الدقائق والثواني
فلكل دبوس صغير قصة

ولكل عقد من عـقودك قصتان
حتى ملاقط شعرك الذهبي
تغمرني كعادتها، بأمطار المنان
فيعرش الصوت العراقي الجميل
على الستائر
والمقاعد
والأواني
ومن المرايا تطلعين
من الخواتم تطلعين
من القصيدة تطلعين
من الشموع
من الكؤوس
من النبيذ الأرجواني

بلقيس
يا بلقيس
لو تدرين ما وجع الكمان
في كل ركن أنت حائمة كعصفور
وعابقة كغابة بيلسان
فهناك كنت تدخنين
هناك كنت تطالعين
هناك كنت كنخلة تتمشطين
وتدخلين على الضيوف
كأنك السيف اليماني

بلقيس
أين زجاجة الغليون
والولاعة الزرقاء
أين سيجارة الـ( كنت) التي
ما فارقت شفتيك ؟
أين الهاشمي مغنيا
فوق القوام المهرجان
تتذكر الأمشاط ماضيها
فيكرج دمعها
هل يا ترى الأمشاط من أشواقها أيضا تعاني ؟
بلقيس : صعب أن أهاجر من دمي
وأنا المحاصر فوق ألسنة اللهيب
وبين ألسنة الدخان

بلقيس : أيتها الأميرة
ها أنت تحترقين في حرب العشيرة والعشيرة
ماذا سأكتب عن رحيل مليكتي ؟
إن الكلام فضيحتي
ها نحن نبحث بين أكوام الضحايا
عن نجمة سقطت
وعن جسد تناثر كالمرايا
ها نحن نسأل يا حبيبه
إن كان هذا القبر قبرك أنت
أم قبر العروبه
بلقيس :
يا صفصافة أرخت ضفائرها علي
ويا زرافة كبرياء

بلقيس :
إن قضاءنا العربي أن يغتالنا عرب
وياكل لحمنا عرب
ويفتح قبرنا عرب
فكيف نفر من هذا القضاء ؟
فالخنجر العربي ليس يقيم فرقا
بين أعناق الرجال
وبين أعناق النساء

بلقيس :
إن هم فجروك فعندنا
كل الجنائز تبتدي في كربلاء
وتنتهي في كربلاء
لن أقرأ التاريخ بعد اليوم
إن أصابعي اشتعلت
وأثوابي تغطيها الدماء
ها نحن ندخل عصرنا الحجري
نرجع كل يوم ألف عام للوراء

البحر في بيروت
بعد رحيل عينيك استقال
والشعر يسأل عن قصيدته
التي لم تكتمل كلماتها
ولا أحد يجيب عن السؤال
الحزن يا بلقيس
يعصر مهجتي كالبرتقال
الآن أعرف مأزق الكلمات
أعرف ورطة اللغة المحاله
وأنا الذي اخترع الرسائل
لست أدري كيف أبتدئ الرسالة
السيف يدخل لحم خاصرتي
وخاصرة العباره
كل الحضارة أنت يا بلقيس الأنثى والحضاره
بلقيس أنت بشارتي الكبرى
فمن سرق البشارة ؟
أنت الكتابة قبلما كانت كتابه
أنت الجزيرة والمناره

بلقيس
يا قمري الذي طمروه مابين الحجارة
الآن ترتفع الستاره
الآن ترتفع الستاره
سأقول في التحقيق
إني أعرف الأسماء والأشياء والسجناء
والشهداء والفقراء والمستضعفين
وأقول أني أعرف السياف قاتل زجتي
ووجوه كل المخبرين
وأقول : إن عفافنا عهر
وتقوانا قذاره
وأقول : إن نضالنا كذب
وإن لا فرق لدينا
ما بين السياسة والدعاره
سأقول في التحقيق :
إني قد عرفت القاتلين
وأقول :
إن زماننا العربي مختص بذبح الياسمين
وبقتل كل الأنبياء
وقتل كل المرسلين
حتى العيون الخضر
ياكلها العرب
حتى الضفائر والخواتم
والأساور والمرايا واللعب
حتى النجوم تخاف من وطني
ولا أدري السبب
حتى الكواكب والمراكب والسحب
حتى الدفاتر والكتب
وجميع أشياء الجمال
جميعها ضد العرب

لما تناثر جسمك الضوئي يا بلقيس
لؤلؤة كريمه
فكرت : هل قتل النساء هواية عربيه
أم أننا في الأصل محترفو جريمه ؟
بلقيس
يا فرسي الجميله إنني
من كل تاريخي خجول
هذي بلاد يقتلون بها الخيول
من يوم أن نحروك
يا بلقيس
يا أحلى وطن
لا يعرف الإنسان كيف يعيش في هذا الوطن

لا يعرف الإنسان كيف يعيش في هذا الوطن
مازلت أدفع من دمي
أعلى جزاء
كي أسعد الدنيا ولكن السماء
شاءت بان أبقى وحيدا
مثل أوراق الشتاء
هل يولد الشعراء من رحم الشقاء ؟
وهل القصيدة طعنة
في القلب ليس لها شفاء ؟
أم أنني وحدي الذي
عيناه تختصران تاريخ البكاء ؟

سأقول في التحقيق :
كيف غزالتي ماتت بسيف أبي لهب
كل اللصوص من الخليج إلى المحيط
يدمرون ويحرقون
وينهبون ويرتشون
ويعتدون على النساء
كما يريد أبا لهب
كل الكلاب موظفون
وياكلون
ويسكرون
على حساب أبي لهب
لا قمحة في الأرض تنبت
دون رأي أبي لهب
لا طفل يولد عندنا
إلا وزارت أمه يوما
فراش أبي لهب
لا سجن يفتح
دون رأي أبي لهب
لا رأس يقطع
دون رأي أبي لهب

سأقول في التحقيق :
كيف أميرتي اغتصبت
وكيف تقاسموا فيروز عينيها

وخاتم عرسها
وأقول كيف تقاسموا الشعر الذي
يجري كأنهار الذهب

سأقول في التحقيق :
كيف سطوا على آيات مصحفها الشريف
وأضرموا فيه اللهب
سأقول كيف استنزفوا دمها
وكيف استملكوا فمها
فما تركوا فيه وردا وما تركوا عنب
هل موت بلقيس
هو النصر الوحيد
بكل تاريخ العرب ؟
بلقيس
يا معشوقتي حتى الثماله
الأنبياء الكاذبون
يرقصون
ويكذبون على الشعوب
ولا رساله
لو أنهم حملوا إلينا
من فلسطين الحزينه
نجمة
أو برتقاله
لو أنهم حملوا إلينا
من شواطئ غزة
حجرا صغيرا
أو محاره
لو أنهم من ربع قرن حرروا
زيتونة
أو أرجعوا ليمونه
ومحوا عن التاريخ عاره
لشكرت من قتلوك يا بلقيس
يا معبودتي حتى الثماله
لكنهم تركوا فلسطين
ليغتالوا غزاله!!!

ماذا يقول الشعر يا بلقيس
في هذا الزمان ؟

ماذا يقول الشعر
في العصر الشعوبي
المجوسي
الجبان
والعالم العربي
مسحوق ومقموع
ومقطوع اللسان
نحن الجريمة في تفوقها
فما ( العقد الفريد ) وما ( الأغاني ) ؟؟؟
أخذوك أيتها الحبيبة من يدي
أخذوا القصيدة من فمي
أخذوا الكتابة والقراءة
والطفولة الأماني

بلقيس يا بلقيس
يا دمعا ينقط فوق أهداب الكمان
علمت من قتلوك أسرار الهوى
لكنهم قبل انتهاء الشوط
قد قتلوا حصاني

بلقيس :
أسالك السماح فربما
كانت حياتك فدية لحياتي
إني لأعرف جيدا
أن الذين تورطوا في قتلك ، كان مرادهم
أن يقتلوا كلماتي !!!
نامي بحفظ الله أيتها الجميلة
فالشعر بعدك مستحيل
والأنوثة مستحيله
ستظل أجيال من الأطفال
تسأل عن ضفائرك الطويله
وتظل أجيال من العشاق
تقرأ عنك أيتها المعلمة الأصيلة
وسيعرف الأعراب يوما
أنهم قتلوا الرسوله
ق ت ل و ا
ا ل ر س و ل ه


‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق